من تغطية الأسواق والمنتديات الاقتصادية في الرياض إلى الكتابة عن العلاقات المصرية السعودية والخدمات القنصلية، تمتد اهتمامات حازم الشرقاوي عبر ملفات تبدو متباعدة، لكنها تلتقي عند سؤال واحد: كيف تؤثر القرارات الكبرى في حياة الناس؟
في العمل الصحفي، قد يبدأ الخبر بقرار حكومي أو لقاء بين مسؤولين، ثم تنتهي قصته الحقيقية عند رجل أعمال ينتظر فرصة، أو عامل يبحث عن معلومة، أو أسرة مصرية تقيم خارج وطنها وتحتاج إلى خدمة واضحة وسريعة. وبين هذين المستويين، مستوى القرار ومستوى الحياة اليومية، يمكن قراءة جانب مهم من تجربة الكاتب الصحفي حازم الشرقاوي.
تقدمه تغطيات منشورة بصفته مدير مكتب جريدة «الأخبار» المصرية في المملكة العربية السعودية، بينما تُظهر صفحته في «بوابة أخبار اليوم» نشاطًا في متابعة الأحداث السعودية والكتابة في الشؤون المصرية والعربية. وتوحي الموضوعات التي تحمل اسمه بأن اهتمامه لم يتشكل حول ملف واحد؛ إذ ينتقل بين الاقتصاد والعلاقات الدولية وأحوال المصريين في الخارج، مستندًا إلى موقع مهني يتيح له متابعة السعودية عن قرب.
حضور مبكر في الصحافة الاقتصادية
تكشف المواد الأرشيفية المنشورة باسم حازم الشرقاوي في صحيفة «الجزيرة» السعودية عن حضور في تغطية الشأن الاقتصادي منذ سنوات طويلة. ففي مادة تعود إلى عام 2002، ظهر اسمه على خبر من الرياض يتعلق بالعلاقات التجارية السعودية الماليزية. وفي عام 2005، حملت تغطية عن معرض اقتصادي مصري في الرياض اسمه، وتناولت فرص التبادل التجاري والتحديات التي واجهت بعض رجال الأعمال المصريين. كما ظهر اسمه ضمن تغطيات منتديات ناقشت الاستثمار والتنافسية والتنمية في المملكة.
هذه الموضوعات تشرح طبيعة الأسئلة التي تشغل الصحفي الاقتصادي في الميدان. فليس كافيًا أن يُعلن عن معرض أو أن يُعقد منتدى؛ الأهم هو ما إذا كانت اللقاءات تفتح بابًا فعليًا للتجارة، وما العقبات التي يواجهها المستثمرون، وكيف تنعكس السياسات على حركة السوق. وفي تغطية المعرض المصري بالرياض عام 2005، حضرت مسألة تأشيرات رجال الأعمال إلى جانب الحديث عن الشراكة التجارية، وهو مثال على أن التفصيل الإجرائي قد يكون حاسمًا بقدر أهمية التصريحات الكبرى.
ويمتد هذا الاهتمام إلى قضايا الاقتصاد السعودي الداخلية. ففي تقرير منشور باسمه في «الاقتصادية» عام 2014، تناول تصريحات لوزير المياه والكهرباء السعودي بشأن أساليب ري النخيل. قد يبدو الموضوع بعيدًا عن السياسة، لكنه يمس إدارة الموارد وكفاءة الإنتاج الزراعي؛ وهما قضيتان تمسان الاقتصاد والبيئة معًا.
القاهرة والرياض في قلب الكتابة
احتلت العلاقات المصرية السعودية مساحة واضحة من مقالات الشرقاوي وتعليقاته. ومن عناوينه المنشورة في «بوابة أخبار اليوم» مقال «الأمن بين القاهرة والرياض»، ومقال «القاهرة الرياض.. صخرة تحطيم الابتزازات». وفي الأخير، كتب عن استمرار التنسيق الرسمي بين البلدين في وقت شهدت فيه منصات التواصل الاجتماعي سجالًا بشأن طبيعة العلاقة بينهما. وتعبر هذه المقالات عن موقفه المؤيد للحفاظ على قوة العلاقات الثنائية، وهو موقف ينبغي قراءته بوصفه رأيًا صحفيًا معلنًا، إلى جانب الوقائع والأحداث التي يستند إليها.
وللعلاقة بين مصر والسعودية، في نظر من يتابعها صحفيًا، أكثر من وجه. هناك وجه سياسي وأمني يظهر في اللقاءات والمواقف المشتركة، ووجه اقتصادي يظهر في التجارة والاستثمار، ووجه إنساني يتمثل في انتقال الناس وإقامتهم وعملهم بين البلدين. وتكتسب التغطية عمقًا حين تصل بين هذه الأوجه: فالاتفاق الاقتصادي قد يخلق فرصة عمل، والإجراء الإداري قد ييسر حركة مستثمر، والتعاون المؤسسي قد ينعكس على خدمة يحصل عليها مواطن مصري في السعودية.
وفي ظهوره الإعلامي، قدّم الشرقاوي قراءات لأحداث تتجاوز العلاقة الثنائية المباشرة. فقد تحدث إلى برنامج «90 دقيقة» عن زيارة الرئيس الأمريكي إلى السعودية، متناولًا أبعادها السياسية والاقتصادية. كما علّق في ظهور إعلامي آخر على القمم الصينية التي استضافتها المملكة. وتعكس هذه المشاركات اهتمامًا بموقع السعودية في شبكة أوسع من العلاقات الدولية، وما تعنيه تحركات القوى الكبرى للمنطقة.
المصريون في الخارج.. من الأرقام إلى الاحتياجات
يتغير معنى التغطية الخارجية حين يكون جمهورها، أو جزء كبير منه، من المواطنين المقيمين خارج بلدهم. فالمصري في السعودية لا يحتاج إلى معرفة نتائج الاجتماعات الرسمية فحسب؛ يحتاج أيضًا إلى أن يفهم الإجراءات التي تخص وثائقه وأسرته وعمله، وأن يجد طريقًا واضحًا للتعامل مع الجهات المعنية إذا واجه مشكلة.
يتكرر حضور هذا البعد في كتابات الشرقاوي. ففي مقال بعنوان «كيانات المصريين فى الخارج»، تناول صلة المصريين المقيمين بالخارج بوطنهم، وتوقف عند المبادرات الموجهة إليهم ودور الكيانات التي يفترض أن تمثل مصالحهم. وفي مقال أحدث بعنوان «المصريون فى الخارج فى دائرة الاهتمام»، عرض مطالب وصلته من بعض المصريين بشأن إجراءات مرتبطة بمشروع «بيت الوطن». وتُظهر هذه الأمثلة انتقاله من تناول المصريين في الخارج باعتبارهم قوة اقتصادية إلى النظر إليهم أيضًا بوصفهم أصحاب مطالب إدارية وخدمية محددة.
وتبرز هنا وظيفة مهمة للصحافة: إظهار الفارق بين تصميم المبادرة وتجربة المستفيد منها. فقد يكون المشروع جذابًا في الإعلان عنه، لكن تقييمه يحتاج إلى الإصغاء لمن حاول الاستفادة منه، ومعرفة أين تعثرت الإجراءات، وما المعلومات التي لم تكن واضحة، وكيف استجابت الجهات المسؤولة. الصحفي الذي يتلقى شكاوى الناس أو ينقل مطالبهم يفتح باب النقاش العام؛ وتكتمل قيمة هذا العمل حين تُفحص المطالب وتُطلب ردود الجهات المعنية وتُتابع النتائج.
«القنصلية الذكية» بوصفها قضية خدمية
في حديثه إلى برنامج «وصال»، تناول الشرقاوي تاريخ العلاقات المصرية السعودية، ثم انتقل إلى الخدمات المقدمة للمصريين في المملكة. وأشار إلى خطوات رقمية اتخذتها القنصليتان المصريتان في الرياض وجدة، منها حجز المواعيد إلكترونيًا وإتاحة معلومات المستندات والإجراءات عبر المنصات الرقمية. ودعا إلى تطوير ما وصفه بنموذج «القنصلية الذكية».
تستحق هذه الفكرة نقاشًا يتجاوز المصطلح. فالحجز الإلكتروني قد يقلل الانتظار، ونشر المتطلبات مسبقًا قد يوفر على المواطن زيارة غير مكتملة. لكن جودة الخدمة تُقاس أيضًا بسهولة استخدام النظام، ووضوح خطواته، وإمكان تصحيح الخطأ، ووجود مسار لمساعدة من لا يستطيع إتمام الإجراء رقميًا. لهذا فإن السؤال الصحفي والبحثي معًا ليس: هل أصبحت الخدمة إلكترونية؟ بل: هل أصبحت أسهل وأسرع وأكثر إنصافًا لمن يحتاج إليها؟
ويرتبط اهتمام الشرقاوي بهذا الملف باهتمامات بحثية نُشرت عنه، من بينها الدبلوماسية القنصلية المصرية في السعودية، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي والحوكمة. وهي موضوعات تفتح مجالًا لدراسة أداء المؤسسات من زاوية المواطن الذي يتعامل معها، بدل الاكتفاء بوصف التقنيات أو الخطط المعلنة.
بين سرعة الصحافة وعمق البحث
للصحافة إيقاعها: حدث يقع اليوم، ومعلومة ينبغي التحقق منها ونشرها في وقت مناسب. وللبحث إيقاع آخر: تحديد مشكلة، وجمع بيانات، واختبار تفسير، ثم الوصول إلى نتائج يمكن مناقشتها. وحين يهتم صحفي بالبحث، تصبح أمامه فرصة لطرح أسئلة أكثر دقة في عمله اليومي.
فالتغطية الاقتصادية، مثلًا، لا تكتفي بالإعلان عن زيادة الاستثمارات؛ تسأل عن القطاعات التي ذهبت إليها، ومدى استمراريتها، والعقبات التي تواجهها. والتغطية القنصلية لا تقف عند إطلاق خدمة رقمية؛ تسأل عن عدد المستفيدين، ومدة إنجاز المعاملة، وطبيعة الشكاوى. أما متابعة العلاقات الدولية فتحتاج إلى التمييز بين ما حدث فعلًا، وما صرحت به الأطراف، وما يستنتجه الكاتب من الحدث.
وتُظهر موضوعات الشرقاوي المنشورة اتساعًا من الشأن الاقتصادي إلى الأمن الإقليمي وقضايا المصريين في الخارج. وتوجد في هذه المساحة فرصة وتحدٍّ معًا: فرصة لربط الملفات التي يعالجها كل تخصص على حدة، وتحدٍّ يتمثل في ضرورة إسناد كل قراءة إلى وقائع واضحة، والفصل دائمًا بين الخبر والرأي والتوقع.
مسار تقرؤه الموضوعات
لا تختصر تجربة صحفي في لقب وظيفي أو عدد مقالاته. ما تكشفه المواد المنشورة باسم حازم الشرقاوي هو استمرار اهتمامه بالسعودية وتحولاتها، وبالعلاقات المصرية السعودية، وبالمصريين الذين يعيشون خارج وطنهم. من خبر اقتصادي عن معرض في الرياض إلى مقال عن كيانات المصريين في الخارج، ومن متابعة للقمم الدولية إلى دعوة لتطوير الخدمة القنصلية، تتغير زاوية التناول ويبقى السؤال عن الأثر حاضرًا.
وفي زمن تتسارع فيه الأخبار وتتزاحم فيه الآراء، يحتاج القارئ إلى صحافة تساعده على رؤية الصلة بين الحدث العام وتجربته الخاصة. هنا تكمن المساحة التي يمكن أن يمنحها عمل الشرقاوي قيمته الأوضح: أن يُقرأ القرار الاقتصادي في ضوء فرص الناس، وأن تُقرأ العلاقات بين الدول في ضوء ما تتيحه لمواطنيها، وأن تُقاس وعود التطوير بما يلمسه المستفيد من الخدمة فعلًا. ففي النهاية، لا تُعرف أهمية القصة الصحفية بحجم عنوانها وحده، بل بقدرتها على تفسير ما تغير في حياة الإنسان الذي يقف خلف الخبر.
