لازالت تداعيات الرسوم الجمركية التي يفرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على دول العالم، تؤثر في اقتصاد الدول لاسيما الاقتصاد الألماني، وهو ما حذر منه معهد إيفو الألماني للبحوث الاقتصادية من أن سياسة الرسوم الجمركية التي تنتهجها الولايات المتحدة في عهد ترامب راحت تشكل عبئا كبيرا ودائما على الاقتصاد الألماني، حتى بعد الاتفاق التجاري الذي جرى التوصل إليه بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
ولفت المعهد إلى أن التأثيرات السلبية لهذه السياسة لا تقتصر على المدى القصير، بل تمتد لتؤثر في الأداء الاقتصادي لأكبر اقتصاد أوروبي بصورة مستمرة، منوهة إالى أن الاقتصاد الألماني يتعرض لثلاثة أنواع متزامنة من الضغوط نتيجة الرسوم الجمركية الأميركية. ويتمثل التأثير الأول في تراجع الصادرات الألمانية إلى الولايات المتحدة، التي تعد من أهم الشركاء التجاريين لألمانيا.
أما التأثير الثاني فيرتبط بانعكاسات الرسوم على الاقتصاد الصيني، وهو ما يؤدي إلى انخفاض الطلب الصيني على السلع الألمانية. في حين يتمثل التأثير الثالث في تحول الصين إلى تصدير مزيد من منتجاتها إلى الأسواق الأوروبية نتيجة القيود الأميركية، ما يزيد حدة المنافسة داخل أوروبا ويضغط على الشركات الألمانية.
وكشفت محاكاة أجراها معهد إيفو أن استمرار توجه الولايات المتحدة نحو الانعزال التجاري يمكن أن يؤدي إلى خفض الأداء الاقتصادي الألماني بشكل دائم بنحو 0.13 بالمئة، ويعتبر المعهد أن هذه النسبة، رغم محدوديتها الظاهرية، تعد مؤثرة في ظل معاناة الاقتصاد الألماني من سنوات متتالية من الانكماش وضعف النمو مقارنة ببقية اقتصادات الاتحاد الأوروبي.
كما توقع المعهد الألماني أن الصادرات الألمانية إلى الولايات المتحدة قد تنخفض على المدى المتوسط بنسبة تصل إلى 15 بالمئة، في حين قد تتراجع الصادرات إلى الصين بنحو 8 بالمئة. وفي المقابل، قد تشهد الصادرات داخل الاتحاد الأوروبي وإلى بقية دول العالم ارتفاعا طفيفا، إلا أن هذا التحسن لا يكفي لتعويض الخسائر الناتجة عن تراجع الطلب في السوقين الأميركية والصينية.
ونوه المعهد إلى أن تداعيات الرسوم الجمركية لم تقتصر على التجارة الخارجية فحسب، بل امتدت إلى قرارات الاستثمار، منوها في الوقت نفسه إلى أن حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسة التجارية الأميركية دفعت عددا كبيرا من الشركات إلى التريث في تنفيذ استثمارات جديدة. ووفق نتائج استطلاع سابق، فإن 30 بالمئة من الشركات التي كانت تخطط للاستثمار في الولايات المتحدة قررت تأجيل هذه الخطط، في حين ألغت 15 بالمئة منها استثماراتها بالكامل.
أظهرت بيانات المعهد أن التأثير الأكبر للرسوم الجمركية الأميركية يتركز في قطاعات صناعية محددة، حيث تشكل السيارات والآلات والصناعات الدوائية نحو 60 بالمئة من الصادرات الألمانية إلى الولايات المتحدة.
وتتعرض هذه القطاعات لضغوط متزايدة نتيجة ارتفاع الكلفة وتراجع القدرة التنافسية في السوق الأميركية، ما ينعكس مباشرة على مستويات الإنتاج والتوظيف.
رغم الصورة العامة السلبية، أشار المعهد إلى وجود بعض الاستثناءات الإيجابية المحدودة، راح يسلط الضوء على قطاع الخدمات الألماني الذي لا يخضع للرسوم الجمركية الأميركية، إضافة إلى القطاع الزراعي الذي يستفيد نسبيا من تحسن فرص التصدير إلى الصين بعد ارتفاع كلفة المنتجات الأميركية نتيجة النزاع التجاري بين واشنطن وبكين. ومع ذلك، أكد المعهد أن الأثر الإيجابي لهذين القطاعين يبقى محدودا ولا يعوض الخسائر الأوسع في القطاعات الصناعية.
رغم الاتفاق التجاري الذي توصل إليه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في صيف 2025، والذي حدد رسوما جمركية بنسبة 15 بالمئة على معظم واردات الاتحاد الأوروبي إلى السوق الأميركية، يرى معهد إيفو أن حالة عدم اليقين التجاري لا تزال قائمة.
