شارك وزير المالية الأستاذ محمد بن عبداللّه الجدعان في النسخة الرابعة من قمة “الأولوية”، التي تُعقد ضمن أعمال مبادرة مستقبل الاستثمار في مدينة ميامي بالولايات المتحدة الأمريكية، خلال الفترة من 6 إلى 8 شوال 1447هـ، الموافق 25 إلى 27 مارس 2026م، وذلك بمشاركة نخبة من قادة الأعمال وصنّاع السياسات والمستثمرين من مختلف دول العالم. وجاءت مشاركة معاليه ضمن جلسة حوارية بعنوان “مجلس صُنّاع التغيير: خارطة جديدة للاستثمار”، تناولت التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، والتوجهات المستقبلية للاستثمار، في ظل المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة. وخلال الجلسة، أشار إلى أن المستثمرين يركزون عند تقييم الفرص الاستثمارية على عدد من المحددات الرئيسة، من أبرزها الاستقرار، والمرونة، وإمكانات النمو، ووضوح الرؤى والخطط طويلة المدى، إلى جانب تحقيق عوائد معدلة حسب المخاطر. وأضاف إن الدول الأكثر قدرة على استقطاب الاستثمارات هي تلك التي تمتلك أسسًا متينة تمكّنها من التعامل بكفاءة مع المتغيرات والتحديات، مؤكدًا أن المملكة العربية السعودية رسخت هذا النهج من خلال رؤية واضحة ومستهدفات طويلة المدى، بحيث أصبحت المرونة جزءًا أصيلًا من نهجها الاقتصادي والتنموي، وليست مجرد استجابة مرحلية للمتغيرات.وأوضح أن المملكة أثبتت قدرتها على بناء مقومات الاستدامة الاقتصادية عبر استثمارات استراتيجية ظهرت آثارها الإيجابية بوضوح في الوقت الراهن، ومن ذلك خط الأنابيب الشرقي – الغربي الذي يسهم في دعم إمدادات الطاقة واستقرارها على المستوى العالمي. وبيّن أن الاقتصاد السعودي أظهر قدرة عالية على التعامل مع الصدمات العالمية، حيث سجل أداءً متميزًا في مرحلة ما بعد جائحة كورونا، رغم أن حجم الإنفاق كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي جاء دون متوسط ما أنفقته دول مجموعة العشرين، في حين تجاوز معدل النمو الاقتصادي للمملكة متوسط نمو دول المجموعة. وأشار الجدعان إلى أن وضوح التوجهات والسياسات طويلة المدى يمثلان عنصرًا أساسيًا في تعزيز الثقة وجاذبية البيئة الاستثمارية، لافتًاكذلك إلى أهمية الاستثمار في رأس المال البشري بوصفه ركيزة رئيسة لدعم التنافسية وتعزيز فرص النمو، مشيرًا إلى ما تتمتع به المملكة اليوم من كفاءات وطنية شابة وطاقة مجتمعية إيجابية تعكس حيوية مسيرتها التنموية والثقة المتزايدة بمستقبلها.
د. حمدي محمود يكتب عن: الحرب و”هلع استهلاكي” وتخبط استثماري
في ظل حالة “السيولة الأمنية” والتصعيد العسكري المتبادل في الإقليم، تتشكل أزمة موازية داخلية أشد خطراً من الصواريخ ذاتها؛ وهي أزمة “العدوى النفسية”. لقد رصدنا تحولاً مقلقاً في سلوكيات الشارع والأسواق؛ حيث يتم استهلاك الأخبار العسكرية الدولية وتحويلها محلياً إلى “هلع استهلاكي” وتخبط استثماري (كـ “سلوك القطيع” في شراء الذهب أو التكالب على السلع)، هذا السلوك يخلق “اقتصاد حرب وهمي” يضغط على الأسواق ويضر بالبنية الداخلية دون مبرر موضوعي حقيقي. ▪️ [ تفكيك الظاهرة معلوماتياً (هندسة التضليل واستيراد الأزمات) ] إن الربط العشوائي الذي يصنعه البعض بين دوي الانفجارات الإقليمية وبين احتمالية انهيار سلاسل الإمداد المحلية هو قراءة سطحية ومضللة لمفهوم الاقتصاد الكلي، يجب أن ندرك أكاديمياً أن القفزات في أسعار الملاذات الآمنة عالمياً (كالذهب) هي “استجابات جيو-اقتصادية” (Geo-economic) لحظية؛ أي أنها إجراءات “تحوط مالي” تقوم بها الدول والصناديق الكبرى هرباً من ضبابية المشهد، وليست دليلاً على تراجع المؤشرات النقدية أو ثوابت الاقتصاد المحلي المصري، لذلك فإن الانجرار خلف هذه المضاربات بناءً على مخاوف دولية، يمثل فخاً يؤدي إلى ما نسميه بـ “استيراد التضخم النفسي” الذي يستنزف مدخرات المواطن. ▪️ [ الأبعاد المؤسسية (مصدات الأمن القومي الاقتصادي): ] إن عقيدة “التخطيط الاستباقي” في إدارة الدولة المصرية لم تترك الأمن الغذائي أو الاقتصادي لرحمة المتغيرات الإقليمية، لقد تم بناء “مصدات أزمات” قوية، تعتمد على تنويع شرايين الاستيراد وتأمين مخزون إستراتيجي آمن من السلع الأساسية يتجاوز الأشهر الستة وفقاً للمحددات القياسية العالمية. هذا العمق الإستراتيجي يمثل رسالة طمأنة لـ “رأس المال” والمجتمع الاستثماري؛ بأن السوق يمتلك مناعة هيكلية قادرة على امتصاص صدمات الإقليم المتسارعة، وضمان استمرار دورة الإنتاج وتوافر السلع دون انقطاع. ▪️ [ تقدير الموقف ورؤية (سياق): ] في أوقات التوترات الإقليمية الكبرى، يتحول “وعي المواطن” إلى جدار الحماية الأول للأمن القومي، وتأسيساً على ذلك، نوجه رسالتين إستراتيجيتين لكل من:● للمواطن: محاولتك المضاربة في أسواق لا تحترفها أو تخزينك غير المبرر للسلع هو ما يصنع الأزمة الفعلية ويشعل الأسعار، وليس الحدث الإقليمي بحد ذاته، فالدولة التي تدير أمنها الحدودي وسط هذا الإقليم المشتعل بأعلى درجات الحكمة والردع، قادرة تماماً على حماية أمنك الغذائي والاقتصادي. ● لصناع القرار والمؤسسات الوطنية: نوصي بضرورة الانتقال من الخطاب الإعلامي “النافي للشائعات” إلى الخطاب “الاستباقي المدعوم بالأرقام” حول حجم المخزون الإستراتيجي، مع إبراز التفعيل الصارم لأدوات الردع الرقابي والقانوني لضرب أي محاولات لاحتكار السلع أو التلاعب بالأسواق، وذلك لسد الفجوة المعلوماتية، وإجهاض مساعي “تجار الأزمات”، والحفاظ على التماسك المجتمعي كأهم أصول القوة الشاملة. الخبير في الاقتصاد السياسي والاستراتيجي