بقلم: د. محمد ناجي
لا يُعاد تشكيل العالم بالحروب وحدها، ولا بالقمم السياسية، ولا حتى بالاتفاقيات الكبرى.
العالم يتغير بُنيويًا حين تتغير كلفة البقاء داخله.
وهذا ما بدأت ملامحه تتكشف منذ مطلع 2026.
ما يبدو على السطح سلسلة أزمات متفرقة — اضطرابات في الممرات البحرية، توترات إقليمية، ضغوط على منابع الطاقة، تباطؤ اقتصادي عالمي، وتصاعد في التنافس بين الأقطاب — هو في جوهره عملية أعمق:
إعادة تسعير شاملة للقوة والمخاطر والنفوذ.
والسؤال الأهم لم يعد: من سيربح أزمة بعينها أو يخسرها؟
بل: أي الدول وأي الكتل ستملك القدرة على البقاء داخل النظام الذي يتشكل الآن؟
عودة الجغرافيا
العولمة لم تُلغِ الجغرافيا. لقد أجّلت حسابها فقط.
واليوم يعود هذا الحساب إلى الواجهة بقوة.
الحرب في أوروبا كشفت أن الطاقة لم تكن يومًا ملفًا اقتصاديًا فحسب، بل سلاحًا سياديًا يُعاد تسعيره مع كل أزمة.
والاضطرابات الممتدة في الممرات البحرية أعادت الاعتبار للجغرافيا السياسية.
والمنافسة الأمريكية الصينية أعادت الاعتبار للسيادة الصناعية والتكنولوجية.
وأعادت أزمات سلاسل الإمداد تعريف الأمن بوصفه اقتصادًا ولوجستيات وغذاءً بقدر ما هو قوة عسكرية.
ما يُعاد تسعيره اليوم ليس النفط أو الشحن أو العملات فقط.
ما يُعاد تسعيره فعليًا هو قيمة الاستقرار ذاته،
وأهمية الموقع،
ووزن الدولة داخل الشبكات الاقتصادية والأمنية العالمية.
فالموقع الحيوي لا يكتسب قيمته من الجغرافيا وحدها، بل من المنظومة القادرة على حمايته.
أما الدولة التي تواجه العالم منفردة فتتحول تدريجيًا إلى أصل عالي المخاطر، مهما بلغت مواردها الطبيعية أو قدراتها العسكرية.
من الشرطي إلى التاجر
منذ نهاية الحرب الباردة، اعتادت دول كثيرة العمل في ظل افتراض ضمني مفاده أن هناك قوة كبرى مستعدة لتحمل الجزء الأكبر من كلفة الاستقرار العالمي.
لكن هذا الافتراض يتآكل بصورة متسارعة.
جوهر النقاش الدولي انتقل من إدارة الاستقرار إلى توزيع كلفته
. لم تعد المسألة: كيف نحافظ على النظام؟
بل: كيف تُوزَّع فاتورة استمراره؟ ومن يتحمل نصيبه منها؟
الفارق بين الشرطي والتاجر ليس فارقًا في حجم القوة، بل في منطق استخدامها.
الشرطي يحمي النظام لأن استقراره يخدم مصالحه.
أما التاجر فينظر إلى الحماية باعتبارها خدمة لها تكلفة وعائد.
هذا التحول لا يعني اختفاء التحالفات، بل إعادة تقييمها وفق معايير الكلفة والعائد.
الأمن نفسه أصبح يُدار بمنطق الكلفة والعائد، وأصبحت المظلات الأمنية أقرب إلى عقود تأمين قابلة للمراجعة المستمرة مع كل تغير في البيئة الدولية.
ولهذا بدأت دول ومناطق بأكملها تعيد النظر في نماذجها الاستراتيجية وتطوّر أشكالًا مختلفة من “الحياد المغلف”.
أوروبا تبحث عن استقلالية استراتيجية أوسع.
آسيا تعيد موازنة علاقاتها بين الأمن والتجارة.
أفريقيا تتحول إلى ساحة تنافس على الموارد والتدفقات.
أما الشرق الأوسط فقد وجد نفسه في قلب هذا التحول البنيوي، لا على هامشه.
لماذا تعود المنظومات
لقد أصبحت كلفة الانفراد أعلى من كلفة التنسيق.
وهذه ليست رؤية سياسية بقدر ما هي نتيجة عملية تفرضها الوقائع.
الدولة المنفردة — مهما بلغ حجم اقتصادها أو قوتها العسكرية — تظل أكثر عرضة للاستنزاف عندما تواجه الأزمات المركبة وحدها.
أما المنظومات المتكاملة فتمتلك قدرة أكبر على امتصاص الصدمات، وتوزيع المخاطر، وحماية المصالح المشتركة.
لكن العنصر الأهم يكمن في طبيعة الردع الجديدة.
فحين تصبح المصالح متشابكة، يتحول استهداف طرف واحد إلى استهداف شبكة كاملة من العلاقات الاقتصادية واللوجستية والاستثمارية.
وعندها يصبح استهداف المنظومة مكلفًا أكثر من التعايش معها.
لهذا لا يمثل صعود الكتل الإقليمية والشبكات الاقتصادية والتحالفات الوظيفية ظاهرة عابرة أو مشروعًا أيديولوجيًا جديدًا، بل استجابة هندسية لحاجة الدول إلى تخفيض كلفة البقاء في عالم أكثر اضطرابًا وأقل يقينًا.
فالانتقال من الدولة المنفردة إلى المنظومة لا يعني التنازل عن السيادة، بل يمثل أحد أكثر أساليب حمايتها فاعلية.
المنظومات الصاعدة ومحاور الارتكاز
في هذا السياق يمكن قراءة السؤال العربي بصورة مختلفة.
المسألة لم تعد مرتبطة بإحياء نماذج قديمة من العمل المشترك أو إعادة إنتاج شعارات لم تنجح في بناء كتل مستدامة.
السؤال أصبح أكثر واقعية: كيف يمكن تحويل عناصر القوة المتفرقة إلى منظومة قادرة على إنتاج نفوذ مستدام؟
فالمنطقة لا تعاني ندرة في عناصر القوة، بل وفرةً منها: ممرات تعبرها التجارة العالمية، وطاقة ما زالت تؤثر في الاقتصاد الدولي، وموقع جغرافي يربط القارات الثلاث، وفوائض مالية وأسواق واسعة.
الموارد تصنع الإمكانات، أما النفوذ فتصنعه المنظومات.
القيمة الحقيقية تنشأ عندما تتحول هذه الموارد والمواقع والممرات إلى منظومة متكاملة قادرة على إنتاج النفوذ، وتخفيض المخاطر، ورفع كلفة تجاوزها.
ما يتشكل هنا ليس نسخة من النموذج الأوروبي، بل نموذج أكثر مرونة يقوم على محور ارتكاز مفتوح لا يُقصي أحدًا،
لكنه يستند إلى الثقل الجغرافي والاقتصادي القادر على تحريك المنظومة.
فالكتل الناجحة لا تعلن عداءً دائمًا، ولا تتحرك بمنطق التحالف المطلق.
إنها تتحرك بمنطق الحياد المغلف: محايدة في الشكل، لكنها تفرض كلفة على من يحاول تجاوز مصالحها أو اختراق توازناتها.
ومن هنا تظهر معادلة المرحلة بوضوح:
امتلاك الموارد لا يمنح النفوذ تلقائيًا.
النفوذ يُبنى عندما تُربط الموارد داخل منظومة قادرة على التأثير في حركة الأسواق والممرات والاستثمارات.
ما بعد 2026
إذا استمرت الاتجاهات الحالية بالوتيرة نفسها، فإن السنوات المقبلة لن تشهد تنافسًا بين دول منفردة بقدر ما ستشهد تنافسًا بين منظومات متشابكة.
ستتراجع أهمية كثير من الحدود السياسية التقليدية أمام صعود شبكات الطاقة والبيانات والتمويل والممرات الاستراتيجية.
وستصبح قدرة الدولة على الاندماج داخل منظومة فعالة عاملًا أكثر تأثيرًا من حجمها الجغرافي أو السكاني وحده.
في عالم كهذا، لا تُقاس القوة بما تملك، بل بما تستطيع ربطه وتنظيمه وتشغيله.
المحصلة الاستراتيجية
في منهجية “إعادة تسعير العالم”، لا تنتقل القوة من دولة إلى أخرى فحسب
بل يُعاد تحديد ما الذي يُعد قوة أصلًا
ما يحدث اليوم ليس نهاية مرحلة، بل بداية مرحلة دولية جديدة.
مرحلة تنتقل فيها القوة من مفهوم الهيمنة المنفردة إلى مفهوم الشبكات والمنظومات،
ومن منطق الدولة المعزولة إلى منطق الكتل القادرة على تقاسم الأعباء وتوزيع المخاطر.
ولهذا لم يعد التحدي الحقيقي متعلقًا بمن يمتلك القوة،
بل بمن يمتلك القدرة على تنظيمها وتحويلها إلى منظومة قابلة للاستمرار.
النظام الجديد لا ينتظر المترددين.
ومن لا يشارك في هندسة قواعده اليوم سيجد نفسه مضطرًا إلى التكيف مع شروطه لاحقًا.
في عالم إعادة التسعير، لا تُقاس المخاطر بحجم الدولة، بل بدرجة اتصالها بمن حولها.
فالعزلة لم تعد مجرد خيار سياسي مكلف؛ بل أصبحت واحدة من أعلى كلف البقاء في النظام الدولي الجديد.
مستشار في الاقتصاد السياسي واستراتيجيات الأمن القومي
