
بقلم: السفير د. يوسف الشرقاوي
عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية
تكتسب زيارة الرئيس الصيني الرسمية لمصر في الآونة الحالية أهمية تاريخية ونقلة نوعية للارتقاء بخطى حثيثة وشاملة بالمشاركة الاستراتيجية الراسخة بين مصر والصين.
وفي إطار محاولتي تدعيم عُرى المشاركة الاستراتيجية لمصر مع الصين واقتراح بعض الأفكار والخبرات من واقع خدمتي الدبلوماسية في أديس أبابا ولندن وبروكسل وموسكو وغيرها للمساهمة في مشروع عملية التحديث وبناء مصر الحديثة وبناء الدول العربية والأفريقية والإسلامية وغيرها في كافة المجالات وما قدمته في إطار رؤيتي الشخصية بشأن أسس عملية البناء وأهدافها وآلياتها وأهمية التنوع الاستراتيجي في مصر في مقالات متنوعة بعرض كيفية الاستفادة من تجارب العديد من الدول ومن ذلك التجربة الهندية وتجربة سنغافورة، وتجربة ماليزيا ودول مجموعة البريكس وانضمام مصر لهذا التجمع الواعد أخذًا في الاعتبار أن لكل دولة خصوصيتها وأن عملية التقدم ليست روشتة تصلح لكل دولة
في رأيي أن ذلك يتم في إطار:
- أهمية وضع إطار فكري مرجعي يحظى بالرضا والتوافق والمنطلقات الفكرية اللازمة في هذا الصدد
- وضع الأسس اللازمة لحكم القانون والعدالة والتطبيق اللازم
- منظومة إنسانية للإدارة
- دور أساسي صلب لمؤسسات الدولة الرسمية وغير الرسمية
- إيلاء دور للمؤسسات العامة
- تشجيع قيام قطاع خاص وطني قوي
- أهمية العمل لقيام قطاع أهلي يتكون من العديد من المنظمات غير الحكومية التطوعية التي لا تهدف للربح والأخرى التي تحمل صفة النفع العام وفقًا لقوانين الحكم المحلي
- الاهتمام بعمليات الوعي وبناء الإنسان والشباب وكبار السن والطفولة وآليات التواصل فيما بينها ورُقيها
- أن يتم الأخذ في الاعتبار أن عملية البناء الداخلي تتم في إطار بناء القوة الشاملة والأمن القومي لمصر والعملية الديمقراطية والدولة المدنية وسط سياسة خارجية متوازنة وراسخة في دوائر متنوعة ومهمة: العربية والأفريقية والإسلامية والأمريكية والآسيوية والأوروبية وأستراليا ونيوزيلندا
- أنه في هذا الإطار ففي رأيي أن زيارة الرئيس الصيني لمصر في الآونة الحالية تعتبر زيارة تاريخية منذ زيارته الأولى لمصر لعام 2016 كما أنها تعتبر نقلة نوعية في إطار العمل العلمي من أجل تعميق المشاركة الاستراتيجية التي تجمع البلدين ويرجع ذلك إلى عدة عوامل منها نجاح دبلوماسية الرئاسة بين البلدين من جانب الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الصيني في تحقيق تقدم كبير بين البلدين في العقد الأخير خاصة في ضوء العلاقات الطيبة التي تربط بين الرئيس السيسي والرئيس الصيني مع ملاحظة الاهتمام على مستويات مختلفة بدعم العلاقات بين مصر والصين في كافة المجالات ومن مؤشرات ذلك:
- مقابلات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الرئيس الصيني عدة مرات نحو ست مرات وهذا التحرك المصري نحو الصين يكتسب أهمية كبيرة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وتكنولوجيًا
- كما أنه يلاحظ أن الانفتاح على العالم يأتي في ضوء نجاحات التحرك الدبلوماسي المصري عربيًا وأفريقيًا وإسلاميًا وآسيويًا وأوروبيًا ومع الولايات المتحدة الأميركية وفي إطار التحرك على مستوى المنظمات الإقليمية والدولية حيث تولي السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي الرئاسة الدورية للاتحاد الأفريقي عام ٢٠١٩ وتم انضمام مصر لتجمع البريكس، وآسيويًا وأوروبيًا فضلًا عن التحرك المتواصل في نفس الوقت صوب واشنطن وبروكسل وموسكو وطوكيو بهدف توثيق عُرى المصالح الاستراتيجية الوطيدة مع الدائرة العربية والإسلامية خاصة السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وسلطنة عُمان والأردن والعراق والجزائر وتركيا وباكستان وإندونيسيا والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والاتحاد الأوروبي واليابان وغيرها
وفي تقديري أن أهمية التجربة الصينية تتضح في الآتي:
أولًا – قدرة مصر والصين والولايات المتحدة الأمريكية على التجدد الذاتي المفتوح وحرية الأسواق والمنافسة تمكن الدولة من تصحيح مسارها عند الخطر
وتمتلك مصر وهذه الدولة العظيمة أي الصين القدرة على امتلاك كافة مقاييس القوة العظمى ومعاييرها خاصة القيادة والسيطرة بما في ذلك القوة الناعمة والتلاحم بين القيادة والشعب في مصر وفي الداخل الصيني والانتشار التدريجي إقليميًا ودوليًا
وثانيًا وفي إطار التركيز على الصين يلاحظ اتباعها نهج الإدارة الرشيدة بكافة أبعادها خاصة وفقًا للتعريف الذي وضعه برنامج الأمم المتحدة للتنمية ومكافحة الفساد والحفاظ على قوة الدولة وإعلاء قيم المواطنة
ثالثًا القدرة على الانفتاح السياسي وعلى الاقتصاد العالمي خاصة منذ السبعينيات وإحداث عملية نمو اقتصادي حوالي تسعة في المائة سنويًا في العقود الثلاثة الماضية وأصبحت الصين ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم وفي مجال الذكاء الاصطناعي
رابعًا الإطار المرجعي الفكري المتجدد في الصين والوعي بدقة على كافة المستويات الدبلوماسية والتعليمية والإعلامية والثقافية والأمنية والعسكرية
خامسًا إيلاء أولوية للبحث العلمي والطبي والذكاء الاصطناعي بأبعاده والرقمنة والتكنولوجيا والاتصالات والطاقة الذرية والفضاء
ومن المثير للدهشة أن الناتج المحلي الإجمالي الصيني في يوم واحد من عام ٢٠٠٨ يوازي حجم الناتج المحلي للصين في السنة قبل حوالي ثلاثة عقود وتحقيق فائض مالي كبير وشراء قطاع كبير من السندات في الخزانة الأمريكية
كما تشهد الصين حاليًا نهضة في مجالات الذكاء الاصطناعي ونهضة صناعية وزراعية وطبية وعسكرية فضلًا عن تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات الأمر الذي قد يجعلها في تقديري القوة الاقتصادية عالميًا قريبًا خلال حوالي خمس سنوات والقوة العظمى عسكريًا على صعيد توازن القوى الثنائي على مستوى العالم قريبًا على ضوء متابعتنا لعملية الاتفاق العسكري الصيني والأمريكي في الفترة الحالية وبضع سنوات ماضية
وفي رأيي أن هناك عوامل متوفرة لدى مصر والصين ستساعد على دعم التعاون ورفع مستوى المشاركة الاستراتيجية في كافة المجالات خاصة الاقتصادية والذكاء الاصطناعي والثقافية ومن ذلك
- أن الدولتين تتمتعان بحضارة عظيمة تضرب جذورها وأعماقها عبر التاريخ وتمتد حتى الآن وتمثل قوة ناعمة لنهضتيهما وتوثيق عُرى الصداقة بينهما
- أن من عوامل التشابه المفيدة للبلدين وجود سوق كبير ويتميز السوق المصري بأنه بوابة الطريق إلى أفريقيا والدول العربية والآسيوية وتوفر العمالة الرخيصة الماهرة والحوافز التشريعية والبنية التحتية والرقمية والخبرات المتنوعة في البلدين
- كما أن مصر توفر تسهيلات للاستثمار وتعتبر سوق جاذبة للاستثمارات في البنية التحتية خاصة في العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين وقناة السويس وتكنولوجيا الاتصالات والسياحة واستخراج وتكرير البترول والغاز وتشييد السكك الحديدية ومترو الأنفاق وغير ذلك
وفي تقديري أنه يمكن الاستفادة من التجربة الصينية في إطار توثيق عُرى الصداقة والارتقاء بمستوى المشاركة الاستراتيجية القوية بين البلدين مصر والصين وتدعيم العلاقات في كافة المجالات من خلال الآتي:
١- أهمية عقد دورات تدريبية للتعريف بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة
٢- أهمية زيادة الناتج القومي الإجمالي والدخل للفرد والأسرة والأدوات التكنولوجية الحديثة لتسييرها. وإلزام الشركات الكبرى بتوفير الدعم المناسب للمشروعات الصغيرة خاصة من خلال تخصيص نسبة من أعمالها للشركات الصغيرة والمتوسطة وإقامة نظام المشاركة معها خاصة في قطاع أعمال البناء والإنشاءات والتشييد وفي هذا الشأن، فيسعدني أن أشيد بما ذكره السيد الوزير الأسبق ثم رئيس أسبق للوزراء المهندس/إبراهيم محلب وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية الأسبق أن تنفيذ العديد من المشروعات في هذا الإطار سوف يتم إسنادها للشركات المتوسطة والصغيرة ولن تكون قاصرة على شركة المقاولون العرب العملاقة والتي تقوم بدور متميز في عمليات التشييد والبناء في الدول الأفريقية والعربية وليس داخل مصر فقط في العاصمة الإدارية الجديدة وربوع مصر وينبغي في تقديري أن يتم الاستفادة والاقتداء بهذا النموذج في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية الأخرى في مصر
٣- أنه يجب أيضًاً البناء واستثمار العلاقات التاريخية بين الحضارة المصرية القديمة والحضارة العربية الإسلامية من جانب والحضارة الصينية وأن ما يعزز ذلك هو ما ذكره رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم حول الاعتراف بأهمية العلوم الصينية حيث قال اطلبوا العلم ولو في الصين هذا إلى جانب الصلات والروابط بين الحضارة المصرية القديمة والحضارة الصينية والروابط التجارية بين الجانبين من خلال طرق التجارة والعبور عبر مصر إلى أفريقيا وأوروبا وغير ذلك خاصة طريق الحزام والحرير
٤- اشتراك الجانبين في مصلحة مشتركة لرفض الهيمنة ولإقامة نظام تجاري عادل وإحداث ديمقراطية عادلة في العلاقات الدولية سياسية واقتصادية
٥- إن تدعيم العلاقات في هذا الشأن والاستفادة من التجربة الصينية يمكن أن يتم من خلال آليات متنوعة وتوسيع الجامعة الصينية الحالية في مصر وفتح جامعة صينية كبيرة في مصر وفقًا للقواعد القانونية المنظمة لذلك في وزارة التعليم العالي وأن تكون المواد الدراسية معترفًا بها من وزارتي التعليم في مصر والصين ويكون سوق العمل المصري في حاجة لتخصصات محددة بها ويمكن أن ترتبط تلك الجامعة بالشركات المصرية-الصينية العاملة في مصر وتكون مجالًا خصبًا للتدريب ولتشغيل الدارسين فيها
٦- تشجيع التبادل الشبابي والطلابي من الجنسين وبين الأساتذة والمختصين في شؤون البحث العلمي والتكنولوجية والطبية والثقافية والأمنية والذكاء الاصطناعي والمجالات العسكرية والدبلوماسية بين مصر والصين
٧- أهمية فتح فرع لجامعة القاهرة ولجامعة الأزهر في الصين لدراسة اللغة العربية وآدابها والعلوم المختلفة في هذا الشأن والتجارة والسياحة لمصر وفنون العمارة وبناء علاقة مع المسلمين في الصين على أساس أنهم جزء من النسيج الوطني الصيني والنهضة الصينية وأنهم يدركون أنهم يتمتعون بهويتهم الحقيقية أي أنهم مسلمون صينيون
٨- أهمية تدعيم التعاون بين مصر والصين في مجالات التعاون النووي المختلفة للأغراض السلمية مثل توليد الكهرباء وتحلية المياه وطاقة الرياح والشمس
٩- يمكن في تقديري كذلك السعي من أجل إقامة وادٍ تكنولوجي صيني مصري للاستفادة من التكنولوجيا الصينية المتقدمة وليس التقليدية وعملية نقل التكنولوجيا وتوطينها في مصر بشكل دقيق وليس استيرادها فقط والتدريب والأيدي العاملة المصرية الماهرة في مجالات تصنيع مشترك في مجالات مختلفة عسكرية وتكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الزراعية وتكنولوجيا الري وعلاج الأمراض وغير ذلك
وسوف تستفيد الصين من موقع مصر الاستراتيجي الفريد للاستثمار والتسويق في إفريقيا والدول العربية والأفريقية والشرق الأوسط وغير ذلك
١٠- أهمية توسيع نشاط الاستثمارات المتميزة والمشروعات الصينية الناجحة في رأيي حاليًا في مصر التي تحظى بها العاصمة الإدارية الجديدة والمنطقة الاقتصادية التابعة لقناة السويس وغيرها
١١- أهمية دراسة الاستفادة من تجربة زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي في الصين ورفع الحد الأمثل للإنتاج لهذه الدولة الكبيرة التي يزيد عدد سكانها حاليًا عن ١٫٣ مليار نسمة أي أكثر من أربعة أضعاف العالم العربي ونجحت في تحقيق نهضة كبيرة في التكنولوجيا الزراعية التي تمثل ركيزة قوية في تقدم الصين ورفع مستوى معيشة سكانها
١٢- أهمية التوسع في فتح أقسام لتعليم اللغة الصينية في بعض الجامعات المصرية ومساعدة الخريجين من هذه الجامعات على توفير فرص عمل لهم خاصة في الشركات الصينية بنسب عالية
١٣- أهمية فتح قنوات التواصل وتقنين التعاون الاستراتيجي الراسخ والمزمن من خلال عقد مذكرات تفاهم قانونية وعملية منها ما يلي:
ـ المعهد الدبلوماسي بوزارة الخارجية
- المجلس المصري للشؤون الخارجية
- مؤسسة نواة للاستشارات والدعم في حل النزاعات
- مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
- مركز أوكسفورد بالقاهرة للدراسات والبحوث الاستراتيجية والاقتصادية
- وغيرها مع نظرائهم في الصين
١٤- أهمية التعاون بين القنوات الإعلامية والصحف ووكالات الأنباء والدبلوماسية الرقمية بين الجانبين
١٥- إنشاء وكالة أنباء مشتركة بين مصر والصين
١٦- هذا ونأمل في رأيي أيضًا أن تواصل الصين دعمها لتطلعات الشعب الفلسطيني وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية في ضوء علاقاتها المتنامية مع إسرائيل ومع تطلعات الشعوب العربية والإفريقية في إطار علاقة تقوم على المنفعة المتبادلة في كافة المجالات في ضوء الانتشار الواسع للصين على المستوى الاقتصادي وقوتها المتنامية في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية
- أهمية التعاون بين مصر والصين في مجال امتلاك مصر القدرة على إنتاج التكنولوجيا الصينية وليس عملية الشراء لها فقط وتوسيع وتعميق عمليات المناورات العسكرية الناجحة بالفعل والتدريب
- أهمية العمل على تعميق مسارات مصر في المشاركات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية والصين والاتحاد الأوروبي وروسيا والجمع بين هؤلاء دون أن يعني أحدهما الاستغناء عن الآخر، وأن ذلك لا يعني أن مصر تستبدل أحدها بالآخر
وهذا يتفق في تقديري مع طبيعة السياسة الخارجية المصرية المتوازنة التي تقوم في المرحلة الحالية على تنويع المشاركات الخارجية وعدم الارتهان لمحور واحد فقط ورفض سياسات الاستقطاب والتحالفات العسكرية