تجاهلت روسيا الضغوطات الأمريكية، وراحت ترسل النفط إلى دولة الهند، لاسيما أن النفط الروسي المخفّض يعد الحصة الأكبر من مشتريات الهند، ما وفّر شرياناً مالياً لموسكو، وأسهم في الوقت نفسه في خفض فاتورة واردات نيودلهي بمليارات الدولارات.
وكانت تهديدات أميركية، ورسوم جمركية، وعقوبات، ظهرت تلتها أشهر من الاضطراب، لكن خلافاً لتوقعات كثيرين في السوق، أثبتت التدفقات الروسية صموداً لافتاً، خاصة مع اتساع الخصومات، وبقاء الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة بعيد المنال، قد يشمل الوضع الطبيعي الجديد استمرار مشتريات كبيرة حتى عام 2026.
ومن جانبه قال وزير النفط الهندي هارديب بوري، يوم الجمعة، إن العالم “أصبح أكثر تحدياً، على الرغم من عدم وجود نقص في الطاقة على مستوى العالم”، وذلك خلال فعالية تمهّد لانعقاد أبرز تجمع لمسؤولي الطاقة في البلاد هذا الأسبوع في غوا، وبات من المرجح أن تكون معضلة نفط روسيا محوراً رئيسياً للنقاش، إلى جانب الزيادة المرتقبة في إمدادات الغاز العالمية والعودة مجدداً إلى الطاقة النووية، موضحا أن السوق هي العامل الحاسم في تحركات الهند النفطية.
ويذكر أن الضغوط من واشنطن تركت بطبيعة الحال أثرها، فالهند التي كانت تستورد معظم نفطها الخام من الشرق الأوسط حتى الحرب الروسية على أوكرانيا في عام 2022، سعت إلى إعادة التوازن، مع عودة تدريجية إلى بعض الموردين التقليديين، حيث تأتي “بهارات بتروليوم” (Bharat Petroleum Corp) ضمن الشركات التي سعت إلى تثبيت كميات طويلة الأجل من الشرق الأوسط، عبر طرح مناقصات لخام مربان من أبوظبي، وخام البصرة العراقي، والخام العُماني. في المقابل، وسّعت شركة “إنديان أويل” (Indian Oil Corp) مشترياتها في السوق الفورية.
ووفقا لموقع ايكونوميك أنه مع تراجع سعر خام الأورال القياسي للهند نتيجة العقوبات الأميركية على كبار المنتجين، يصعب مقاومة المشتريات الروسية، حتى “ريلاينس إندستريز” (Reliance Industries Ltd) التي اتبعت حتى الآن نهجاً محافظاً، قدّمت طلبات جديدة لشحنات غير خاضعة للعقوبات، حيث تواصل “شركة النفط الهندية” (Indian Oil Corp) و”بهارات بتروليوم” (Bharat Petroleum Corp)، إلى جانب شركة التكرير الخاضعة للعقوبات “نايارا إنرجي” (Nayara Energy Ltd) شراء الخام الروسي.
ومن جانبه صرح آرنه لومان راسموسن، كبير المحللين في “إيه/إس غلوبال ريسك مانجمنت” (A/S Global Risk Management): “نعلم أن النفط سيجد دائماً طريقه، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن “مزيج العقوبات الأميركية وحظر الاتحاد الأوروبي على المنتجات المشتقة من الخام الروسي يفرض ضغوطاً على الواردات، ويزيد الطلب على الخام غير الخاضع للعقوبات، لكنني أشك بقوة في أن تتخلى الهند عن استيراد النفط الروسي”.
في ذروة المشتريات، كانت الهند تستورد أكثر من مليوني برميل يومياً، قبل أن ينخفض المستوى إلى نحو 1.3 مليون برميل يومياً في ديسمبر، وهو رقم يُرجح أن يبقى مستقراً هذا الشهر.
مع ذلك، يقول محللون ومتداولون مشاركون في عمليات الشراء إن التدفقات من غير المرجح جداً أن تهبط إلى ما يقارب الصفر، كما توقّع كثيرون في أكتوبر، عقب إدراج الولايات المتحدة عملاقي الخام الروسيين “روسنفت” (RosneftPJSC) و”لوك أويل” (Lukoil PJSC) على القائمة السوداء.
قال نافين داس، كبير محللي النفط الخام في شركة التحليلات “كبلر”، إن الهند مرجّح أن تحافظ على حمل أساسي صحي من الخام الروسي، بالتوازي مع توسيع التعامل مع موردي الشرق الأوسط، واستكشاف فرص نمو مثل براميل فنزويلية غير خاضعة للعقوبات.
أضاف أن الهند “ستواصل البحث عن أفضل الأسعار وأفضل الهوامش لمصافيها، مع تعديل سلة مشترياتها بشكل استراتيجي، وخفض الواردات الروسية بشكل طفيف كما فعلت بالفعل”.
هناك أسباب محدودة فقط قد تغيّر هذه الديناميكية، بخلاف التحديات المستمرة التي تواجه صادرات روسيا نفسها، بما في ذلك الهجمات الأوكرانية.
أحد هذه الأسباب يتمثل في اتفاق تجاري وشيك بين الهند والولايات المتحدة. في حال توقيع اتفاق نهائي، قد يدفع ذلك نيودلهي إلى تبنّي موقف أكثر تحفظاً.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس الأسبوع الماضي، إن البلدين سيبرمان اتفاقاً تجارياً جيداً، من دون تقديم تفاصيل.
سبب آخر يرتبط بالحاجة إلى مراعاة علاقات تجارية وسياسية أخرى، تتجاوز الروابط التاريخية مع روسيا، إضافة إلى رغبة نيودلهي في مواصلة تنويع مصادر الإمداد مع استمرار توسّع طاقات التكرير.
وفقاً لتوقعات حكومية، قد ترتفع الطاقة إلى 309.5 مليون طن سنوياً بحلول عام 2030، مقارنة بـ258 مليون طن حالياً. قال بوري الأسبوع الماضي إن الهند باتت تمتلك 41 مصدراً للإمداد، ارتفاعاً من 27 مصدراً قبل بضع سنوات.
أخيراً، اتسعت خيارات الهند بشكل كبير مع دخول سوق النفط العالمية في حالة فائض، حتى لو لم تكن البراميل الأخرى متاحة بخصومات.
قال داس من “كبلر” إن “ما ينبغي تذكره هو أنه في عالم يشهد حالياً فائضاً في إمدادات النفط”، يتمتع ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم “بهامش واسع من المرونة”، ولن يتعرض لعقاب إذا خفّض مشترياته من الخام الروسي. شدد على أن “الهند لا تزال أحد مراكز الطلب الرئيسية”.
