نافذتك إلى عالم المال والاعمال

علي الجحلي يكتب عن: التضخم العالمي والاقتصادات العربية

@alialjahli

يُعد التضخم من أبرز القضايا الاقتصادية التي تشغل صُنّاع القرار حول العالم، فهو المؤشر الأوضح على توازن أو اضطراب الاقتصاد. ومع تصاعد معدلات التضخم بعد جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، أصبحت قرارات البنك الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة محط أنظار العالم بأسره، لما لها من تأثير مباشر وغير مباشر في الاقتصادات الكبرى والناشئة على حد سواء.

يُقصد بالتضخم الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار، وهو ظاهرة تنتج عادة عن اختلال بين العرض والطلب، أو عن زيادة في المعروض النقدي دون زيادة مقابلة في السلع والخدمات. ورغم أن التضخم بدرجات معتدلة يُعتبر دليلاً على نمو اقتصادي نشط، فإن تجاوزه الحدود الآمنة يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للعملة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الادخار والاستثمار.

في الولايات المتحدة، شكّل التضخم تحديًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفعت نسبته إلى أعلى مستوياتها منذ أربعة عقود. وردًا على ذلك، اتخذ الاحتياطي الفيدرالي  الأمريكي سلسلة من قرارات رفع أسعار الفائدة للحد من الإنفاق الاستهلاكي وتقليص السيولة في الأسواق. هذه الإجراءات تهدف إلى كبح الطلب وبالتالي خفض الأسعار، لكنها في الوقت نفسه تؤثر في الاقتصادات المرتبطة بالدولار الأمريكي، نظرًا لمكانة العملة الأمريكية كعملة احتياط عالمية.

بالنسبة للعالم العربي، فإن تأثير هذه القرارات يتفاوت من دولة إلى أخرى بحسب هيكل الاقتصاد ودرجة ارتباط العملة بالدولار. فالدول التي تربط عملتها رسميًا بالدولار، مثل السعودية والإمارات وقطر، تضطر عادة إلى رفع أسعار الفائدة المحلية تماشيًا مع قرارات الفيدرالي للحفاظ على استقرار سعر الصرف ومنع خروج رؤوس الأموال.

ورغم أن هذا النهج يسهم في حماية العملة المحلية، فإنه يزيد تكلفة الاقتراض على الأفراد والشركات، ما يحد من وتيرة الاستثمار ويضغط على النمو الاقتصادي. في المقابل، هناك دول عربية أخرى ذات عملات حرة أو ضعيفة الارتباط بالدولار، تواجه تحديًا مختلفًا، إذ إن ارتفاع الفائدة الأمريكية يؤدي إلى تدفقات مالية خارجة بحثًا عن عوائد أعلى في الولايات المتحدة، ما يضعف عملاتها المحلية ويرفع تكاليف الواردات، وبالتالي يزيد التضخم الداخلي. ومن ثم، تجد هذه الدول نفسها أمام معادلة صعبة بين دعم النمو الاقتصادي وضبط الأسعار.

ورغم هذه التحديات، تمكنت بعض الدول الخليجية من تخفيف آثار رفع الفائدة بفضل قوتها المالية وارتفاع إيراداتها النفطية خلال السنوات الأخيرة. فالسعودية، على سبيل المثال، استفادت من الفوائض المالية الناتجة عن أسعار النفط المرتفعة في تمويل مشاريع تنموية ضخمة ضمن رؤية 2030، ما حافظ على نشاط اقتصادي متوازن رغم ارتفاع تكاليف التمويل. كما أسهمت السياسات النقدية الحذرة للبنك المركزي السعودي “ساما” في استقرار التضخم عند مستويات معتدلة مقارنة بالمعدلات العالمية.

ومن زاوية أخرى، فإن لارتفاع الفائدة بعض الإيجابيات التي لا يمكن تجاهلها. فالمستثمرون في الأصول المالية الثابتة مثل السندات يستفيدون من عوائد أعلى، كما تشهد العملات الخليجية مزيدًا من الاستقرار بفضل تدفق الاستثمارات الأجنبية الباحثة عن بيئات آمنة. إلا أن هذا الاستقرار المالي لا يعفي الحكومات من مسؤولية دعم القطاعات الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة، التي عادة ما تتأثر سلبًا بارتفاع كلفة الاقتراض.

على المستوى العالمي، يتزايد النقاش بين الاقتصاديين حول مدى جدوى استمرار رفع الفائدة كأداة وحيدة لمحاربة التضخم، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من ارتفاع الأسعار ناجم عن اضطرابات في سلاسل التوريد وتكاليف الطاقة، وهي عوامل لا يمكن للفائدة وحدها معالجتها. لذا، بدأت بعض الدول في البحث عن حلول متكاملة تجمع بين السياسات النقدية والمالية والإنتاجية، مثل دعم الصناعة المحلية وتحفيز الابتكار لتقليل الاعتماد على الواردات.

إن التجربة الراهنة تقدم درسًا مهمًا للاقتصادات العربية مفاده أن الاعتماد المفرط على السياسات النقدية للدول الكبرى قد يحد من القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة تتناسب مع الواقع المحلي. ومن هنا، تبرز أهمية تعزيز التنويع الاقتصادي وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية والخدمية، بما يجعل الاقتصادات العربية أكثر مرونة أمام التقلبات العالمية.

في الختام، يمكن القول إن موجة التضخم العالمي الحالية كشفت عن مدى الترابط العميق بين الأسواق، وعن التأثير الكبير الذي تمارسه السياسة النقدية الأمريكية في الاقتصادات الأخرى. لكن التحديات يمكن أن تتحول إلى فرص إذا ما وُظفت بذكاء، عبر تبني سياسات مالية مبتكرة توازن بين استقرار الأسعار وتحفيز النمو، لنضمن استدامة اقتصادية أكثر قوة واستقلالية في المستقبل.

كاتب اقتصادي

نقلا عن الاقتصادية

المقالة السابقة
المقالة التالية

منصة إخبارية متخصصة في الشؤون الاقتصادية تصدر عن مؤسسة أخبار الاقتصاد الاعلامية

روابط سريعة

حمل التطبيق الان

PWA - Add to Home Screen

Created by Business Up 2025